محمد بن جرير الطبري

22

جامع البيان عن تأويل آي القرآن ( تحقيق شاكر )

فيقال لهم : ألستم لم تعلموا فيما شاهدتم وعاينتم ، موصوفًا بالتدبير والفعل إلا ذا لونٍ ، وقد علمتموه موصوفًا بالتدبير لا ذا لونٍ ؟ فإن قالوا : " نعم " = لا يجدون من الإقرار بذلك بدًّا ، إلا أن يكذبوا فيزعموا أنهم قد رأوا وعاينوا موصوفًا بالتدبير والفعل غير ذي لون ، فيكلفون بيان ذلك ، ولا سبيل إليه . ( 1 ) فيقال لهم : فإذ كان ذلك كذلك ، فما أنكرتم أن تكون الأبصار فيما شاهدتم وعاينتم لم تجدوها تدرك إلا الألوان ، كما لم تجدوا أنفسكم تعلم موصوفًا بالتدبير إلا ذا لون ، وقد وجدتموها علمته موصوفًا بالتدبير غير ذي لون . ثم يسألون الفرق بين ذلك ، فلن يقولوا في أحدهما شيئًا إلا ألزموا في الآخر مثله . ولأهل هذه المقالة مسائل فيها تلبيس ، كرهنا ذكرها وإطالة الكتاب بها وبالجواب عنها ، إذ لم يكن قصدنا في كتابنا هذا قصدَ الكشف عن تمويهاتهم ، بل قصدنا فيه البيان عن تأويل آي الفرقان . ولكنا ذكرنا القدرَ الذي ذكرنا ، ليعلم الناظرُ في كتابنا هذا أنهم لا يرجعون من قولهم إلا إلى ما لبَّس عليهم الشيطان ، مما يسهل على أهل الحق البيانُ عن فساده ، وأنهم لا يرجعون في قولهم إلى آية من التنزيل محكمة ، ولا رواية عن رسول الله صلى الله عليه وسلم صحيحة ولا سقيمة ، فهم في الظلمات يخبطون ، وفي العمياء يتردّدون ، نعوذ بالله من الحيرة والضلالة . * * * وأما قوله : " وهو اللطيف الخبير " ، فإنه يقول : والله تعالى ذكره المتيسر له من إدراك الأبصار ، ( 2 ) والمتأتِّي له من الإحاطة بها رؤيةُ ما يعسر على الأبصار من إدراكها إياه وإحاطتها به ويتعذر عليها = " الخبير " ، يقول : العليم بخلقه

--> ( 1 ) في المطبوعة : ( ( فيكلفوا بيان ذلك ) ) ، وفي المخطوطة : ( ( فدلقوا بيان ذلك ) ) ، وهي غير مقروءة ، ولعل الصواب ما أثبت . ( 2 ) في المطبوعة : ( ( الميسر له ) ) ، والصواب من المخطوطة ، ولم يحسن قراءتها .